• الصلاة القادمة

    الفجر 11:45

 
news Image

كجلمود صخر حطّه السيل من علٍ، أو كشاحنة مسرعة بلا كوابح على أرض زلقة، يندفع الساكن القلق، غريب الأطوار في البيت الابيض، في اتخاذ قراراته، وإصدار مراسيمه الرئاسية الصادمة للامريكيين قبل غيرهم، وهو يقود سياسات الدولة العظمى بالتغريدات. في مشهد يثير السخرية، ويبعث على الرثاء في آن معاً.

فما كان بالامس مجرد تكهنات، وتسريبات بات اليوم قرارات رعناء، تفتقد الى الكياسة في إدارة السياسات، وتصب المزيد من الزيت على النار في منطقة تشتعل بالبراكين، ويجري تقسيمها بالسكاكين ، وسط تواطؤ امريكي في إذكاء تلك الصراعات، خدمة لنزعة التوسع والعدوان الاسرائيلية، واستجابة لضغوط كارتيلات مصانع السلاح في الولايات المتحدة، والتي ترى في اشعال الحروب واذكاء الفتن، وخلق الازمات، سوقًا رائجة لخطوط انتاجها النشطة من السلاح.

رغم مرور عام على وصوله الملتبس إلى سدة الحكم في البيت الأبيض، إلا أن رجل المال والاعمال، ما زال يدير سياساته بعقلية التاجر المقامر، الذي لا يقيم وزنًا لتقلبات السوق، ولا لحركة الاسهم في البورصات، محمولا على وهم استبد به ، بقدرته على تحقيق أفضل الاسعار بضربة واحدة؛ دون أن يدرك خطأ حساباته وسوء تقديراته.

وكما أن الصبّ تفضحه عيونه، كما قالت العرب، فإن رجل العقارات والصفقات تفضحه تغريداته، وانفعالاته، وجنوح سياساته، وخشونه تعبيراته وانتقاداته لوسائل الاعلام التي انتبهت مبكرا الى الخطب الجلل الذي المّ بالولايات المتحدة، وشعبها العظيم باعتلاء رجل غريب الاطوار، متقلب المزاج ، سدة الحكم في البلاد، وهو يعبر بفجاجة لا تليق برجل الدولة عن سياسات خاوية، وقرارات تقترب الى حافة الجنون ، بينما يحاول توريط بلاده في حرب نووية مع كوريا الشمالية، قبل ان يتراجع عن اندفاعاته، تحت وقع انتقادات لاذعة لتلك السياسات، واعلان عسكريين عن رفضهم تنفيذ أية أوامر قد تصدر عن الرجل المسكون بالاوهام وغطرسة القوة العمياء.

في تفاصيل الاتصال الذي أجراه ترامب مع الرئيس عباس الليلة الماضية، حاول الرجل المتقلب أن يختبئ وراء ما قال إنها التزامات كان قطعها لناخبيه وأنه لا يستطيع مقاومة الضغوط الشديدة التي يتعرض لها من الكونغرس، الذي يلح عليه لتنفيذ هذه الخطوة احتراما للديموقراطية الامريكية ؛ بينما كان رد الرئيس عباس عليه حاسما وقاطعا عندما أبلغه بان خطوته مرفوضة لانها ستدمر عملية السلام، وأن القيادة الفلسطينية تعتبر القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية التي ستقام على حدود الرابع من حزيران عام ٦٧.

لن يمضي وقت طويل حتى يُخرج الامريكيون الرجل الطارئ من حياتهم بعد أن تتكشف المزيد من فضائحه ، ويتبدى لهم حجم الخديعة التي ساقها للوصول الى سدة الحكم في انتخابات مازالت التحقيقات حولها متواصلة ، جالبا معه مجموعة من غلاة المستوطنين ليرسموا له خارطة الطريق الاسرائيلية لما سمي بـ"صفقة القرن" والتي يبدو فيها الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، الجزء الطافي من جبل الجليد الغاطس في مياه الصفقة الآسنة، والتي لا تبتعد تفاصيلها عن تلك التسريبات التي تتولى الصحافة الاسرائيلية نشر تفاصيلها استنادا الى مصادر مجهولة.

مع الخطاب الخطب، الذي ألقاه ترامب هذه الليلة احمرت شاشات الفضائيات التي اكتظت بالعواجل، بينما كان الرجل يعلن عن" الوفاء"بوعده المشؤوم باعلان القدس عاصمة لاسرائىل، وان خطوته الرعناء تاخرت كثيرا، دون أن يعلم انه يضع العربة أمام الحصان وانه لم يعد بعد اليوم راعيا لعملية السلام ، وأن الفلسطينيين الذين تصدوا بلحمهم الحي في الساحات والميادين لغطرسة القوة الاسرائيلية قادرون على ممارسة ذات الطقوس المقاومة لتلك السياسات واجهاضها، واذا كانت الخطوة الامريكية ضارة لعملية السلام ومنافية للقوانين الدولية، فانها ربما تكون نافعة للفلسطينيين لجهة تخلصهم من وهم الرعاية الامريكية للسلام بعدما تبين لهم على نحو لا يقبل اللبس ولا الغموض، ان هذا الراعي هو نفسه عدو السلام، فما لم يستطع ترامب وفريقه من غلاة المستوطنين"كوشنير غرينبلانت وفريدمان" انتزاعه بالمفاوضات العبثية ينتزعة اليوم بفرض الامر الواقع بغطرسة القوة بعد أن أدرك استحالة تمرير صفقته المريبة.

أضف تعليقك